غرائب

Wisata

Budaya

Kuliner

Kerajaan

بحري

Suku

» » » العقيدة القتالية للجيشين العراقي و الإيراني في حرب الخليج الأولى (الجزء الأول)


العقيدة القتالية: مصطلح، يعني، في مفهومه العام، الأسلوب الذي تتبعه القوات، لتنفيذ مهامها القتالية، التي تكلَّف بها من قبل القيادة الأعلى. وتختار كل دولة، عادة، العقيدة التي تتلاءم مع قدراتها العسكرية (قوة بشرية، أسلحة ومعدات)، وعقائدها، الأيديولوجية والدينية، وأهدافها وغاياتها السياسية المرتبطة بأمنها القومي، وقدراتها الاقتصادية، للإنفاق على التسليح والحرب، وغير ذلك من الخصائص. وهو ما يسفر بالضرورة، عن اختلافات بين دولة وأخرى في ما تعتنقانه من عقيدة قتالية.

بعض الدول ينقل عقيدته القتالية من دول أخرى، لديها خبرات قتالية، وفكر عسكري متقدم، إلا أنه يعدّلها بما يتماشى مع قدراته وخصائصه. والعراق وإيران، كانتا، في زمن الحرب (1980 / 1988)، من تلك الدول الناقلة، والمعدِّلة للعقيدة القتالية.


أولاً: العقيدة القتالية الإيرانية:


كان الجيش الإيراني النظامي، في عهد الشاه، يتسلح بأسلحة غربية، معظمها أمريكية الصنع. كما دأب على إرسال ضباطه، في بعثات، تعليمية وتدريبية، أمريكية وغربية. لذلك، فإن عقيدته في عهد الشاه، كانت متماشية مع العقيدة العسكرية الأمريكية (عقيدة الحرب البرية الجوية والمطورة من عقيدة الحرب الخاطفة الألمانية)، وقد كانت قدرات القوات الإيرانية وقتها، أقوى قدرات برية وبحرية وجوية، في المنطقة حتى عصر آخر شاه.

مع قيام الثورة الإسلامية، أعدمت محاكمها، وسجنت العديد من القيادات العسكرية، من ذوي الخبرة العالية، فضلاً عمّن فر منهم إلى الخارج. وكان السلاح البحري، هو الأكثر تأثراً، لقرب قياداته من الشاه. وقد انعكس ذلك على فقْد القوات المسلحة الخبرات التدريبية، القادرة على تطبيق العقيدة القتالية جيداً، في ميدان القتال.

ولإحداث توازن مع القوات المسلحة النظامية، أنشأت الثورة الإيرانية قوة مسلحة أخرى، سمِّيت "الحرس الثوري الإسلامي الإيراني". وفي البداية، كانت تلك القوة تعمل على تأمين الدولة من الداخل، ضد أي تدخّل منتظر من القوات المسلحة. لذا، كان تسليحها خفيفاً، وتنظيمها غير مكتمل، كعنصر مقاتل، إذ كانت تقتصر على المقاتلين، دون العناصر اللوجستية والإدارية والفنية، لعدم الحاجة إليها في التأمين الداخلي. كما كان يسيطر عليها الزعماء الدينيون، وقيادات سياسية مؤيدة للثورة، بعيدة عن التأهيل العسكري.

أدت الانكسارات أمام الجيش العراقي في بداية الحرب، وجسامة الخسائر، إلى أن تلجأ القيادة، السياسية والدينية، إلى تقوية الحرس الثوري والزج به في المعارك، وإلى طلب التطوع للقتال. ونجم عن ذلك تكوين عنصر ثالث، مسلح تسليحاً ضعيفاً، ذي تدريب متواضع، وتنظيم أكثر بدائية، هي قوات المتطوعين (الباسيج)، التي كانت تُدفع، بعد أسابيع قليلة من التدريب، إلى أتون المعارك، باستغلال حماستها الفطرية والدينية للثورة، بمبادئها الإسلامية الشيعية المعلنة.

تكونت القوات الإيرانية المقاتلة، في كل معاركها، من خليط من الفئات الثلاث، وهو ما جعل من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تطبيق أي عقيدة قتالية من العقائد الحديثة السائدة حينها، بأسلوب صحيح. ومع ترسخ الاعتقاد بأهمية التفوق العددي للشعب الإيراني على نظيره العراقي (ثلاثة أضعاف)، لحسم الحرب في مصلحة إيران، كان لا بدّ أن تعتنق إيران عقيدة أخرى، طوال الحرب، وهي تقوم على أسلوب قديم يعود إلى القرن التاسع العشر، وسبق تطبيقه في الحرب الأهلية الأمريكية، كما طبق لاحقا في الحرب الأهلية الإسبانية وفي عدد من الحروب في القارة الإفريقية، ويعتبر هذا الأسلوب مناسبا للدول ذات الكثافة السكانية الضخمة، ويعرف هذا الأسلوب بـ"الموجات البشرية المتتالية".

تعتمد هذه العقيدة؛ وهي عقيدة هجومية، على تدفق القوات، في موجات متتالية، لإرهاق قوات الخصم المدافعة، واستنزاف قوّته النيرانية، مع إنزال خسائر به، واكتشاف نظامه، الدفاعي والنيراني، ونقاط الضعف، التي يمكن استغلالها، ثم دفع موجات جديدة من المقاتلين إلى الاختراق وتدمير العدو، الذي يصبح غير قادر على مواصلة القتال.

اعتمد الإيرانيون، في عقيدتهم هذه، على التعداد الكبير للشعب، الذي يشتعل حماسة لثورته، ذات المبادئ الإسلامية، والأيديولوجية الشيعية، والذي يتيح لهم طلب ما يشاءون من المتطوعين، لدفعهم إلى القتال، بعد فترة تدريب قصيرة، مستغلين حماستهم الشديدة لتنفيذ توجيهات الزعماء الدينيين، بالجهاد المقدس، عوضاً عن تدريبهم التدريب الكافي للقتال.

صنفت القوات الإيرانية، طبقاً لكفاءتها القتالية. وكان أعلاها، بالطبع، القوات النظامية، على الرغم من سوء حالة معداتها فنياً، وتوقف تحديثها بعد انقطاع توريد قطع غيارها من الغرب، وتدهور كفاءتها القتالية بعد الضربات التطهيرية التي ألحقتها بها الثورة. لذلك خصصت للأعمال القتالية النهائية الحاسمة، لقدرتها على تطهير المَواقع المستولى عليها، والتمسك بها، وصدّ الهجمات العراقية المضادّة، القوية (تكمن قوّتها في استخدام الدبابات والمدفعية والطائرات، المقاتلة والقاذفة)، أو متابعة الهجوم في عمق الدفاعات العراقية، لتواجه الاحتياطيات العراقية المدرعة، القابعة في الخلف، وهو ما يستوجب أن تكون هذه القوات هي الأحسن إعداداً. أمّا القوات شبه النظامية، من المتطوعين المدعمين بوحدات من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، والذي صار أحسن تسليحاً وتدريبا، بعد إعادة تنظيمه وتسليحه، على غرار القوات النظامية، قياساً على تسليح المتطوعين (الباسيج)، فقد خصصت للتقدم، والهجوم في بداية القتال، في حشود كبيرة، على موجات متتالية، حتى تُخترق المَواقع الدفاعية الأمامية.

أدت تلك العقيدة إلى تحقيق نجاح مبدئي، بتمكنها من اختراق المَواقع الأمامية، في كثير من الأحيان. إلا أن ذلك جشمها خسائر بشرية عالية جداً، وخاصة نتيجة تدهور المستوى التدريبي للمتطوعين (الباسيج)، مما أدى إلى تأكّل التفوق العددي، وتناقص أعداد المتطوعين، إلى الحدّ الذي ألغى هذا التفوق، ورجّح جانب القوات العراقية؛ ففقدت العقيدة أهم نقاط نجاحها: القوة البشرية، المتفوقة عدداً.

من جهة أخرى، لم تستطع القوات النظامية دائما استغلال النجاح المبدئي، بتطويره، سواء لبطء تحركها خلْف القوات الأمامية، أو لضعف إمكاناتها، مقابل قوة الهجمات العراقية المضادة. وكان لاستخدام العراقيين الغازات الحربية السامة، وحصار القوات المخترِقة في أراضي قتلٍ مختارة، أثر مدمر في القوات الإيرانية، أرواحاً ومعدات، مما أفقد هذه العقيدة كثيراً من العناصر، التي ترتكز عليها.

على الرغم من أن القيادات العسكرية، طالبت بالتخلي عن هذه العقيدة، لثمنها الباهظ، في الأرواح والمعدات، إلا أن الزعماء الدينيين الإيرانيين، كانوا على قناعة تامة بفاعليتها، لنجاحها في المعارك الأولى للهجوم الإيراني العام، وإحداثها خسائر كبيرة في الجانب العراقي.

مع تناقص القوة البشرية، أدخل الإيرانيون تعديلاً على عقيدتهم، ببدء القتال ليلاً، والتسلل الصامت، باستخدام الطرق والوديان الجبلية، لتقليل الخسائر، أثناء الاقتراب، وفى مرحلة الاصطدام بالمَواقع الأمامية العراقية. إلا أن استخدام العراقيين الأشراك الخداعية، والموانع الصناعية، بكثرة، خاصة كهربة المياه، أدى إلى فشل هذا التعديل، في كثير من الهجمات، في القطاعَين، الأوسط والجنوبي. بينما نجحت، أحياناً، في الشمال، لطبيعة الأرض، ومعرفة المقاتلين المساندين، من أكراد العراق المتمردين، بمسالكها جيداً؛ فهي أرضهم التي عاشوا فيها، وجاسوا خلالها كثيراً.

الدروس المستفادة من العقيدة القتالية الإيرانية:

تمخضت العقيدة القتالية الإيرانية بحقائق شتّى. أبرزها:
1. استيعاب القوات النظامية وقياداتها، العقيدة القتالية، والقدرة على تطبيقها، في مختلف ظروف الحرب ومسارحها، تطبيقاً سليماً.

2. عدم تكليف القوات شبه النظامية القليلة التسليح والضعيفة التدريب بمهام قتالية رئيسية، وقصرها على أعمال التأمين والحراسة، أو للتصدي لمحاولات التسلل البحري أو الجوي إلى العمق، حتى لا يؤثر ضعفها في تطبيق العقيدة القتالية، التي تنهض بها، في نتائج المعارك، وتصبح بالتالي عالة على باقي القوات المسلحة، التي تختلف عنها في المستوى والتسليح والتنظيم، والمفهوم القتالي، مما يؤثر على سير أعمال القتال، ويؤدي إلى إرهاق القوى وإهدارها بلا طائل في معظم الأحيان.

3. تطبيق أساليب قتال ملائمة للعقيدة القتالية، حتى تحقق النجاح المطلوب. ويؤدي الاعتماد على الجانب المعنوي للعقيدة فقط، إلى تحقيق نجاح محدود، أحياناً، إلا أنه لا يحقق نصراً مهماً أو حاسماً أو الاحتفاظ بالمكاسب المؤقتة.

4. القيادة العسكرية هي المرجع الرئيسي في أعمال القتال، وتؤخذ في الحسبان تحليلاتها للمواقف، ومقترحاتها لتعديل (أو اتِّباع) عقيدة قتالية معينة.

5.عند إدخال تعديلات على العقيدة القتالية، أو أساليب القتال المتبعة، لا بدّ من إعطاء فرصة كافية للتدريب على تلك التعديلات، ومراعاة ملاءمتها ما يستخدمه الخصم من عقائد وأساليب قتال، حتى يمكن التغلب عليه، وتحقيق المهام.


ثانياً: العقيدة القتالية العراقية:



اتَّبع العراق عقائد قتالية روسية، تتميز بها المدرسة العسكرية الشرقية، التي يرأسها الاتحاد السوفيتي، والنابعة من خبراته القتالية، وتجاربه، وقدراته، المتفوقة عسكرياً، خاصة في الأسلحة التقليدية؛ وهو نفسه ما كان يتمتع به العراق، بالنسبة إلى خصمه، إيران.

قاتلت القوات العراقية، إلى جانب القوات السورية، في حرب أكتوبر 1973. كما اطَّلعت وفودها العسكرية العديدة، على ميادين القتال في تلك الحرب، على الجبهتين، المصرية والسورية، فأفادت من الخبرات القتالية.

كانت القوات العراقية أكثر تنظيماً، وأكفأ تدريباً، من نظيرتها الإيرانية. كما كانت، خاصة في بداية الحرب، مسلحة بمعدات وأسلحة متفوقة، نوعاً، في معظمها، على تلك التي كانت في حوزة الإيرانيين، ولا سيما القوات الجوية، والمدفعية والدبابات، والصواريخ والدفاع الجوي، والهندسة العسكرية.

كانت القوات العراقية تعتنق العقيدة القتالية الروسية، هجوماً ودفاعاً، التي تعتمد على بناء الأنساق المتتالية، ونشر القوى المدرعة بشكل عرضي(على عكس أسلوب الحرب الخاطفة في تجميعها في محور ضيق منتخب)، مع تركيزها في الاحتياطات الخلفية (على عكس أسلوب الحرب الخاطفة في استخدامها ككتلة صدم أمامية)، بحيث تُدفَع تبعاً لتطور أعمال القتال دفاعا وهجوما، مما يهيئ الاحتفاظ بمعدل قتالي عالٍ، في الهجوم، ومقاومة متزايدة في العمق، في الدفاع.


تعتمد هذه العقيدة على قوة النيران المعاونة لها، هجوماً ودفاعاً، وعلى نظام موانع كثيف، تحميه النيران، خلال الدفاع، وعلى احتياطيات متدرجة في القوة والعمق (أنساق قتالية)، تعتبر أساس نجاح تطبيق هذه العقيدة.

نفذ العراق عقيدته القتالية تلك بخطط مختلفة. ففي بداية الحرب ونهايتها، حينما كانت القوات العراقية، هي المهاجِمة، طبّق الشق الهجومي من العقيدة، بدفع دبابات مختلطة بالمشاة، تحت ستر تمهيد نيراني بالمدفعية، كان، أحياناً، أضعف من أن يحدث التأثير المطلوب، إلى اختراق الدفاعات الأمامية وتطهيرها، ثم يدفع احتياطياته، التي غالباً ما كانت من المشاة الآلية أو المدرعات، دفعاً متتالياً، متزايد القوى، إلى استكمال اختراق الدفاعات الإيرانية، حتى الخط، المحدَّد كمهمة نهائية لها.

عندما لجأت القوات العراقية إلى الدفاع، وأدارت حرب استنزاف طويلة، كان هدفها إرهاق القوات الإيرانية، وتكبيدها خسائر جسيمة، في المعدات والأرواح؛ وهو الأهم، مما يجعل ميزان القوات في مصلحة العراق. ولتحقيق هذا الهدف، عمدت القوات العراقية إلى بناء دفاعات قتالية، على طول الجبهة، مستفيدة من طبيعة الأرض، للسيطرة على محاور الاقتراب الرئيسية. وأحاطت تلك الدفاعات بأنساق من الموانع، الصناعية والطبيعية. كما حشدت قوات احتياطية، من المشاة الآلية والمدرعات، في مناطق تمركز خلفية لشن الهجمات المضادّة، عند تمكّن القوات الأمامية (النسق الأول) من صدّ الهجوم الإيراني وإيقافه، أو مواصلة عمليات الصدّ في المواقع القتالية (أنساق متعددة، على أعماق مختلفة)، حتى تفقد القوات المهاجِمة قوّتها الدافعة، على أثر الخسائر، الكبيرة وقوة النيران التي تواجهها، وتجبَر على التوقف، وهي اللحظة الحاسمة لتدميرها، بهجوم مضادّ، يشنه أقرب الاحتياطيات إلى مَوقع توقفها.


لم يستطع الدفاع العراقي صدّ الهجمات الإيرانية، فضلاً عن المبادرة إلى هجوم مضادّ، لاسترداد بعض المَواقع المخترَقة، نتيجة لعدم وجود عمق دفاعي كافٍ، يتمكن من الصدّ، أو لضعف قوة الاحتياطي، الذي يفترض تنفيذه الهجوم المضادّ؛ وهي الحالات الناجمة عن اضطرار القيادة العراقية العسكرية إلى سحب قوات من قطاع إلى آخر، تحسباً للهجمات الإيرانية المتوقعة فيه. وقد تمكن الإيرانيون من خداع العراقيين، عدة مرات، بهذا الأسلوب، لإبعاد جزء من قواتهم، يضعف الأنساق التالية؛ وهي أساس العقيدة الروسية في شقها الدفاعي والتي كان يتبعها العراق.

امتنع العراقيون، أحياناً، عن دفع احتياطيهم تنفيذ الهجوم المضادّ، حينما كانت القوات الإيرانية، المخترقة المواقع الأمامية، أكبر حجماً منه؛ وهو قرار صحيح، في هذه الحالة، أو حينما لا يتمكنون من تحديد أي الهجمات هي الرئيسية، أو أيها الأشد خطراً، فيخسرون المعركة. ويوضح ذلك ضرورة وجود عناصر استطلاع، على مستوى عالٍ من الكفاءة، يمكنها الحصول على المعلومات اللازمة، بالدقة والوقت اللذَين يمكنان القائد من اتخاذ قراره، في شأن استخدام الاحتياطي استخداماً صحيحاً.

جهز العراق، عملاً بعقيدته العسكرية الشرقية، أربع فِرق مدرعة وفرقتَين آليتَين، في بداية الحرب، لإنهائها في وقت قصير. لكن طبيعة الأرض، في القطاع الجنوبي حيث اتجاه الجهد الرئيسي، كانت غير ملائمة للوحدات، الآلية والمجنزرة لاستثمار النجاح؛ إذ كانت المجاري المائية منتشرة في كل مكان (مناطق زراعية كثيفة)، والمدن والقرى متناثرة، على طول محاور التقدم، والكثافة السكانية عالية، نسبياً. وأدى ذلك إلى بطء معدلات الهجوم عما هو مخطَّط، وأتاح ذلك فرصة جيدة للإيرانيين، لحشد قواتهم، وإرسالها إلى مناطق الاختراق لحصاره وصده وإيقافه. ولم تتمكن القوات، الآلية والمدرعة، من الاستفادة من خفة حركتها، التي أصبحت مقيدة تماماً، بينما كان النجاح أفضل على المحاور الثانوية (الأوسط والشمالي).

 لقد افتقر العراقيون إلى العناصر المترجلة، الأكثر ملاءمة لتلك الأرض، وإلى التجهيزات المتعلقة بعبور القنوات المائية المتعددة، وإلى أسلوب للتعامل مع الكثافة السكانية والمدن والبلدات الكثيرة والدفاعات حولها، في المنطقة. لقد كانت تلك المناطق في حاجة إلى قوات ذات طبيعة خاصة، ومدربة بهذا النوع من القتال (القتال في المدن والبلدات الكبيرة)؛ وهو ما يحتاج إلى تعديل في العقيدة القتالية، بما يتواءم مع الموقف. ولم تكن المدن والبلدات مثل الدفاعات، يجب تدميرها واختراقها، وإنما كان من الممكن عزلها وتركها حتى حين، واستثمار النجاح بمزيد من التقدم على المحاور الرئيسية. وكان من المهم استخدام القوات الخاصة بكثافة عالية، للاستيلاء على المعابر المقامة على المجاري المائية، والمهندسين العسكريين، لإنشاء كباري، بدل تلك التي يتمكن الإيرانيون من تدميرها. وقد استطاع العراقيون استيعاب ذلك، في النهاية، مما حسّن من أدائهم، وأحرز لهم النصر، في معارك العام الأخير.

كانت القوات العراقية مكونة من قوات نظامية، وأخرى شبه نظامية. وكانت القوات المسلحة النظامية ذات مستويَين؛ فهناك فيالق الجيش، التي وقع عليها العبء الرئيسي، في تغطية جبهة القتال، على اتساعها. وهي تشمل، مختلف صنوف القوات، إضافة إلى قوات الحرس الجمهوري، المتميزة، بالتسليح الأقوى، والتدريب الأكفأ، والقيادات الأكثر حنكة، لذلك فهي تكلَّف بمهام معاونة الفيالق، لزيادة قدراتها القتالية، وغالباً ما تضطلع بالجزء الأصعب من المهمة.

أما القوات شبه النظامية (الجيش الشعبي)، فكانت مكوَّنة من المتطوعين، المقسَّمين إلى وحدات، يقودها ضباط سياسيون (من أعضاء الحزب الحاكم، "البعث"). ولم يكن تنظيمهم أو تسليحهم أو تدريبهم ملائماً، وعلى الرغم من ذلك، دُفعوا إلى المَواقع الأمامية، لإيقاف الهجوم الإيراني، عام 1981، ففشلوا، واستسلم منهم كثيرون، وبزيادة خبرتهم القتالية، وباستبدال ضباط أكفاء من الجيش بقياداتهم، وإعادة هيكلتهم بما يشابه وحدات المشاة النظامية، أصبحوا أكثر فائدة.

على الرغم من اعتماد العراق على تفوّقه بالدبابات، واعتناقه العقيدة العسكرية الشرقية، التي تستخدم الوحدات المدرعة في زيادة معدلات الهجوم، وتدمير الخصم، وتعميق الاختراق، أثناء الهجوم، أو تدمير القوات المخترِقة، وطردها خارج المواقع الدفاعية، في حالة الدفاع؛ وهو ما يعنى الاستفادة من خفة حركة الدبابة، وقدرتها العالية على المناورة، وقوة صدمتها، المعتمدة على تدريعها القوي وقوة نيرانها الهائلة ـ إلا أن الاستخدام اللاحق، الذي صاحب العمليات العراقية، طوال سني الحرب، حتى ما قبل الهجوم الأخير ـ كان يعتمد على استغلال مدفع الدبابة، في الاقتراب، ثم الرميّ المباشر ضد مَواقع العدو من الثبات؛ وهو ما جعل الدبابة قطعة مدفعية ثابتة، ففقدت أهم عناصرها، وأصبحت عُرضة لنيران الأسلحة المضادّة للدبابات، فمُنِيت بخسائر فادحة. وقد تحسّن الأداء العراقي، في العام الأخير من الحرب، بالاستفادة من التمرس بالقتال، في الأعوام السابقة، واستخدام الدبابات استخداماً أفضل.


عمد العراقيون إلى الدفاع الثابت. وطوروا أداءهم، مستفيدين من الأخطاء التي وقعوا فيها، فاعتمدوا على قوة النيران الغزيرة، لمساندة القوات المدافعة، وإنشاء العوائق القوية العميقة، أمام المواقع الدفاعية، التي تطورت، كذلك، لتصبح أكثر عمقاً. ووفروا طرق تقدم ومناورة للاحتياطيات المدرعة، القابعة في الخلف، التي تشن الهجمات المضادّة. وإن كانوا قد افتقروا إلى التعاون الوثيق بين المشاة والدبابات، في بداية تحولهم إلى الدفاع، إلا أنهم استطاعوا، في العامين الأخيرين، ضبط إيقاع القوات المدرعة مع المشاة، في تناسق، أدى إلى كسب المعارك الأخيرة؛ فكل منهما لا غنى له عن الآخر في المعارك الحديثة.

بعد عام 1986، سمحت القيادة السياسية، تحت إلحاح القيادة العسكرية الميدانية، تتحول الوحدات المقاتلة من أسلوب الدفاع الثابت، إلى الدفاع المتحرك. وبذلك، تمكن العراقيون من استخدام حجم أقلّ من القوات، في حماية مواجهة كبيرة. وقد اعتمدوا في ذلك على الوحدات الجديدة، التي ضمت متطوعين أكثر ثقافة وحميّة، من طلبة الجامعات العراقيين، الذين استطاعوا استيعاب التدريبات المكثفة، التي أعدها لهم وأدارها، بحنكة وكفاءة، القادة العسكريون، قبْل أن يطالبوا القيادة السياسية، بعد اطمئنانهم إلى نتيجة التدريب، بالتحول إلى مرحلة جديدة، هي، في الواقع، إيذاناً بالتحول إلى الهجوم، حسماً للمعركة.

كان العراقيون يفضلون الدفاع على الهجوم؛ إذ استطاعت دفاعاتهم القوية (المبنية بالأسلوب السليم، كانت في البصرة)، صدّ الهجمات المكثفة للإيرانيين، وامتصت قوّتها، قبْل أن تدمرها. وعلى الرغم من إجادتهم الدفاع، إلاّ أنه كان لا بدّ، في النهاية، من التحول إلى الهجوم، لحسم القتال، الذي طال أمده. وعندما سمحت القيادة السياسية بذلك، حققوا معدلات هجوم عالية، فقد استولوا على الفاو في غضون 36 ساعة، وكان مخططاً أن يستولى عليها خلال خمسة أيام. ولم تصمد الدفاعات الإيرانية، كذلك، أمام عنف هجومهم، وسرعة اختراقهم لها، بمساندة نيرانية كثيفة، في معارك جُزُر مجنون وشلمجة ودهلران وغيرها كذلك. ويرجع ذلك إلى التدريب الراقي، الذي نالته الوحدات المشكلة حديثاً، والخطط المدروسة جيداً، والاستخدام المخطط للأسلحة الكيماوية.

اكتسب القادة العسكريون، ثقة القيادة السياسية، ولم يلبثوا أن اكتسبوا ثقة قواتهم وشعبهم، بعد السماح لهم بسيطرة عملياتية أكبر حجماً، وبرز منهم عدة شخصيات قيادية، كان لها تأثير جيد في تطور القتال في العامين الأخيرين، اللذَين انتهيا بقبول إيران وقف إطلاق النار، وإحالة القضية إلى الساحة السياسية للتفاوض وهو عينه ما كانت القيادة السياسية ترغب فيه.

الدروس المستفادة من العقيدة القتالية العراقية:

أسفرت العقيدة القتالية العراقية عن جوانب عدة. أهمها:
1. اعتناق عقائد قتالية منقولة، حيث تتوافر العوامل والظروف نفسها، التي انبثقت منها تلك العقائد، مع وجوب إدخال بعض التعديلات طبقا لاختلاف الظروف، بشكل لا يخل بأسس العقيدة القتالية المنقولة، وفي حال تعذر الأمر فلا بد من تطوير عقيدة قتالية جديدة بشكل جذري، مما يتطلب هيكلة شاملة للقوات.

2. استخدام عناصر التفوق في القوات، طبقاً للعقيدة، بالأسلوب القتالي الذي يحقق أكبر نجاح، من دون الإخلال بالقواعد الأساسية لاستخدام القوات.

3. تنبُّه القيادة، دائماً، لتأثير أعمال العدو القتالية في تماسك قواتها وبنائها القتالي، والحيلولة دون أي خلل في ذلك البناء، حتى لا يتأثر أداء القوات.

4. مراعاة طبيعة الأرض وتأثيرها في معدلات الهجوم، حتى لا يفشل نتيجة البطء الزائد، الذي يعطي العدو الفرصة لإجراء مضادّ. وضرورة تعديل العقيدة القتالية لتتلاءم مع ظروف القتال المحلية، على ألاّ يخل ذلك بأُسسها وقواعدها الرئيسية.

لقد تمرست قوات الدولتَين بالحرب، بثمن باهظ، في الأرواح والمعدات، فأمكن كلاًّ منهما من خلاله تطوير عقيدتها القتالية، بما يوائم قدراتها وحجم قواتها (خلال حرب الخليج الثانية، وأثناء معركة تحرير الكويت، `عاصفة الصحراء`، عام 1991، عاد العراقيون إلى الأخطاء نفسها، والتي أخلت بتطبيق العقيدة الشرقية، فلم تُستخدم الاحتياطيات المدرعة بشكل جيد، كما بقيت الدبابات في مَواقع دفاعية ثابتة).

من اعداد أحد الاخوة ويرفض ذكر اسمه

تنبيه إداري : ثقافة عسكرية

لأي إستفسار أو مناقشة يرجي زيارة صفحتنا علي الفيسبوك بالرابط https://www.facebook.com/Malwmataskrya2 وذلك لأنه لن يرد عليك أي من الأدمنز إلا بالصفحة الرسمية كما أشرنا لرابطها وبإسم الصفحة غير ذلك قد يكون أي عضو يساهم في إثراء الحوار وإضافة جديد أو يقدم مساعدة ما ولكنه بالتأكيد ليس أي من الأدمنز لأن جميع الأدمنز يلبي أي من إستفساراتك بالصفحة فقط وبإسم الصفحة الرسمي .
«
Next
رسالة أحدث
»
Previous
رسالة أقدم
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات:

اترك تعليقا